وشايفك لما كنتِ بتداري عنه وهو تعبان، ولما كنتِ بتقولي له إن بكرة أحسن، حتى وإنتِ عارفة إن مفيش في البيت غير القليل.
وعشان كده أنا سيبت لراضي حساب باسمه فيه كل مدخراتي اللي ما دخلتش في العمارتين.
مش عشان أفرق بين ولادي...
لكن عشان أضمن إن ابني اللي عمره ما طلب حاجة، ما يحتاجش لحد بعدي."
أنا مقدرتش أمسك دموعي.
أما راضي فكان ساكت، والدموع نازلة من عينيه من غير ما يحاول يمسحها.
المحامي مد له ظرفًا.
— ده الحساب، ودي كل المستندات.
راضي مسك الورق بإيد مرتعشة.
وفجأة سمعنا عادل بيقول:
— يعني بابا كان عارف إننا هنفرح بالعمارات؟
المحامي قال:
— كان عارف.
تامر سأل:
— وكان عارف إننا كنا بنضحك على راضي؟
المحامي سكت.
وبعدين قال:
— وكان عارف كمان إن أول حاجة هتحصل بعد موته هي إنكم تختلفوا.
وساعتها طلع ورقة أخيرة.
وقال:
— ودي أهم ورقة.
كانت مكتوبة بخط الحاج:
"لو ولادي اختلفوا بعد موتي على الفلوس، يبقى أنا فشلت في تربيتهم.
أما لو وقفوا جنب بعض، يبقى أنا تركت لهم أغلى من العمارات."
عادل بدأ يعيط.
وتامر نزل عينه في الأرض.
وبعد لحظات، عادل قام واتجه ناحية راضي.
وقال بصوت مكسور:
— سامحني يا أخويا.
راضي بصله ومردش.
عادل كمل:
— أنا كنت فاكر إن أبويا فضلني عليك... وطلعت أنا اللي ظلمتك.
تامر قرب منه وقال:
— وأنا كمان.
راضي مسح دموعه وقال:
— أبويا كان عارفنا أكتر من نفسنا.
وبعدين بصلي.
وقال قدامهم كلهم:
— وأهو عرف ليه قال "كفاية عليك مراتك".
ضحكت وأنا بعيط.
وقلت له:
— وأنا كنت فاكرة إنه بيهزر!
ضحك راضي لأول مرة من يوم وفاة أبوه.
وبعدها بأيام، حصلت حاجة محدش كان متوقعها.
عادل وتامر قرروا يعملوا اللي أبوهم كان نفسه فيه.
اتفقوا إن جزء من دخل العمارتين يروح لتعليم ولادنا، وجزء لعلاج أي حد في العيلة يحتاج، والباقي يتقسم بينهم بالعدل.
أما راضي، فرفض ياخد أي زيادة من نصيبه.
وقال لهم:
— أبويا ساب لنا رسالة أهم من الفلوس... خلونا مانخسرش بعض عشانها.
ومن يومها، العلاقة بين التلاتة اتغيرت.
أما ابني، اللي كان رجع من المدرسة في يوم بيعيط وبيقول لي:
"هو جدي مش بيحبنا؟"
ففي يوم جمعت العيلة كلها، وخدته في حضني.
وقلت له:
— جدك كان بيحبك أكتر مما تتخيل.
قال لي:
— طب هو ساب لنا إيه؟
ابتسمت وقلت:
— ساب لنا درس عمرنا ما هننساه.
— إيه هو؟
بصيت لراضي، وبعدين بصيت لإخواته وقلت:
— إن اللي بيتقاس بالفلوس ممكن يخلص... لكن اللي بيتبني بالمحبة بيفضل.
ومن يومها، كل ما حد يسألني:
"إيه كان يقصد الحاج لما قال لراضي: كفاية عليك مراتك؟"
بابتسم وأقول:
"كان يقصد إن فيه رزق أغلى من العمارة... بس إحنا كلنا فهمنا كلامه متأخر."
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.